ابن كثير

64

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ قالوا : هم المشركون الذين قاتلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر . وقال محمد بن كعب : لما خرجت قريش من مكة إلى بدر ، خرجوا بالقيان والدفوف ، فأنزل اللّه وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ « 1 » . وقوله تعالى : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ الآية ، حسن لهم - لعنه اللّه - ما جاءوا له وما هموا به ، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس ، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر ، فقال : إني جار لكم ، وذلك أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، سيد بني مدلج كبير تلك الناحية ، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً [ النساء : 120 ] قال ابن جريج : قال ابن عباس في هذه الآية : لما كان يوم بدر ، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين ، وألقى في قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبكم ، وإني جار لكم ، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة ، نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ قال : رجع مدبرا ، وقال : إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ الآية « 2 » . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته ، في صورة رجل من بني مدلج ، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس ، أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين ، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس ، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين ، انتزع يده ثم ولى مدبرا وشيعته ، فقال الرجل : يا سراقة أتزعم أنك لنا جار ؟ فقال : إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ، وذلك حين رأى الملائكة « 3 » . وقال محمد بن إسحاق : حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فلما حضر القتال ورأى الملائكة ، نكص على عقبيه وقال : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ، فتشبث به الحارث بن هشام ، فنخر في وجهه فخر صعقا ، فقيل له : ويلك يا سراقة على هذه الحال ، تخذلنا وتبرأ منا ، فقال : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ .

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 263 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 265 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 6 / 264 .